أبي بكر الكاشاني

256

بدائع الصنائع

أبي حنيفة مع عدم النص على الرجوع ويحتمل انه أجاب أبو حنيفة ومحمد لم يذكر الجواب ووجه ذلك ان جواز الاستخلاف ان ثبت نصا لكونه معقول المعنى وهو الحاجة إلي اصلاح الصلاة على ما بينا فيما تقدم والحاجة ههنا متحققة فيجوز وقوله إن بين كون الشخص الواحد تابعا ومتبوعا منافاة قلنا في شئ واحد مسلم اما في شيئين فلا والصلاة أفعال متغايرة حقيقة فجاز أن يكون الشخص الواحد تابعا في بعضها ومتبوعا في بعض وبه تبين ان الصلاة متجزئة حقيقة لأنها افعال متغايرة الا في حق الجواز والفساد وهذا لان البعض موجود حقيقة فارتفاعه يكون بخلاف الحقيقة فلا يثبت الا بالشرع وفى حق الجواز والفساد قام الدليل بخلاف الحقيقة فغيرها فلم تبق متبعضة متجزئة في حقهما فاما في حق التبعية والمتبوعية في غير أو ان الحاجة انعقد الاجماع وفى أو ان الحاجة لا اجماع والحقائق تتبدل بقدر الدليل الموجب للتغير والتبدل ولا دليل في هذه الحالة بل ورد الشرع بتقرير هذه الحقيقة حيث جوز الاستخلاف فعلم أن الاستخلاف عند الحاجة جائز وكون الانسان مرة تابعا ومرة متبوعا غير مانع وينظر إلي الحاجة لا إلى ورود الشرع في كل حالة من أحوال الحاجة ألا ترى ان في الركعة الواحدة التي استحسن محمد لم يرد الشرع الخاص وما استدل به من مسألة المسبوق لم يرد الشرع الخاص فيه وإنما جاز لما ذكرنا من اعتبار الحقيقة في موضع لم يرد الشرع بتغييرها ومن جعل ورود الشرع بالجواز لذي الحاجة ورودا في كل محل تحققت الحاجة ألا ترى ان الشرع لم يرد بصلاة واحدة بالأئمة الخمسة ومع ذلك جاز عند الحاجة وكذا الواحد إذا ائتم فسبق الامام الحدث تعين هذا الواحد للإمامة فإذا جاء الأول صار مقتديا به ثم لو سبق الثاني حدث تعين الأول للإمامة ثم إذا جاء هذا الثاني وسبق الأول حدث تعين هذا الثاني للإمامة هكذا مرارا لكن لما تحققت الحاجة جوز وجعل النص الوارد في الاستخلاف واردا في كل محل تحققت الحاجة فيه فكذا هذا والله أعلم * ( فصل ) * وأما صلاة الجمعة فالكلام فيها يقع في مواضع في بيان فرضيتها وفي بيان كيفية الفريضة وفي بيان شرائطها وفي بيان قدرها وفي بيان ما يفسدها وفي بيان حكمها إذا فسدت أو خرج وقتها وفي بيان ما يستحب في يوم الجمعة وما يكره فيه أما الأول فالجمعة فرض لا يسع تركها ويكفر جاحدها والدليل على فرضية الجمعة الكتاب والسنة واجماع الأمة أما الكتاب فقوله تعالي يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله قيل ذكر الله هو صلاة الجمعة وقيل هو الخطبة وكل ذلك حجة لان السعي إلى الخطبة إنما يجب لأجل الصلاة بدليل ان من سقطت عنه الصلاة لا يجب عليه السعي إلى الخطبة فكان فرض السعي إلى الخطبة فرضا للصلاة ولان ذكر الله يتناول الصلاة ويتناول الخطبة من حيث إن كل واحد منهما ذكر الله تعالى وأما السنة فالحديث المشهور وهو ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تعالى فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا في يومى هذا في شهري هذا في سنتي هذه فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي استخفافا بها وجحودا عليها وتهاونا يحقها وله امام عادل أو جائز فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ألا لا صلاة له ألا لا زكاة له ألا لا حج له ألا لا صوم له الا أن ينوب فمن تاب تاب الله عليه وروى عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه ومثل هذا الوعيد لا يحلق الا بترك الفرض وعليه اجماع الأمة * ( فصل ) * وأما كيفية فرضيتها فقد اختلف فيها قال أبو حنيفة وأبو يوسف ان فرض الوقت هو الظهر في حق المعذور وغير المعذور لكن غير المعذور وهو الصحيح المقيم الحر مأمور باسقاطه بأداء الجمعة حتما والمعذور مأمور باسقاطه على سبيل الرخصة حتى لو أدى الجمعة يسقط عنه الظهر وتقع الجمعة فرضا وان ترك الترخص يعود الامر إلى العزيمة ويكون الفرض هو الظهر لا غير وعن محمد قولان في قول قال فرض الوقت هو الجمعة ولكن له أن يسقطه بالظهر رخصة وفى قول قال الفرض أحدهما غير عين ويتعين ذلك بتعيينه فعلا فأيهما فعل تبين انه هو الفرض وقال زفر وقت الفرض هو الجمعة والظهر بدل عنها وهذا كله قول أصحابنا وقال الشافعي الجمعة ظهر قاصر وعندنا هي صلاة مبتدأة غير صلاة الظهر وفائدة الاختلاف تظهر في بناء الظهر على تحريمة الجمعة بأن خرج